نجيب الدين السمرقندي

111

شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )

ولم يتذكر البواقي فتتغير رؤية المنام ونسيانه أو يبطل الخيال أصلا فينسى صور المحسوسات كيف كانت أي سواء كانت مرئية في اليقظة أو في النوم ولا يتخيلها أي الصور بعد غيبوبتها عن الحواس الظاهرة كما ينسى فاسد الذكر معاني المحسوسات الجزئية من حيث تركيبها أيضا وإنما قيدنا المعاني بالجزئية لأن الحافظة خزانة للمعاني الجزئية التي يتأدّى إليها من الوهم أو من المتخيلة وأما المعاني الكلية التي تدركها النفس الناطقة فخزانتها العقل الفعال . وسببه سبب نقصان الذكر بعينه من الرطوبة المفرطة واليبوسة المفرطة . قال « جالينوس » في « الصناعة الصغيرة » : فضيلة التخيل سرعة انطباع الصور وأوفق الأمزجة له اعتدال الرطوبة ؛ لأن الانطباع لا يمكن في يابس ولا في رطب بل في معتدل بينهما إلّا أن هذا يقع من اليبوسة أكثر وذلك من الرطوبة لأن البطن المقدم أرطب وألين والمؤخر أيبس وأصلب فالأعراض يقع فيهما على الضد ، لأنه إذا تغير المقدم عن مزاجه الأصلي باستيلاء اليبس عليه ، فسد فعله وكذلك المؤخر باستيلاء الرطوبة عليه . وإنما جعل المقدم أرطب والمؤخر أيبس مع أنهما مشتركان في الانطباع ، لأن المقدم يقبل الصور التي ترد على الحس المشترك من الحواس الخمسة الظاهرة فينبغي أن يكون في غاية سرعة القبول وسهولة الانطباع كيلا يفوته شئ منها لكثرة مواردها والمؤخر يقبل المعاني الجزئية من مورد واحد وهو الوهم فلا يخاف فيه فوت القبول كما في الخيال وليس للصور أيضا من الشرف ما للمعاني فلذلك جعل المؤخر أيبس حتى يكون حفظه واستمساكه لها أشدّ وأقوى . وعلامتها وعلاجها : سواء وإنما يكون التفاوت عند وضع الأطلية على موضع العلة من الرأس وعند استعمال المروخات والنطولات وغيرها عليه فيقصد هاهنا إلى المقدم وفي فساد الذكر إلى المؤخر . وإما أن يتخيل ما ليس موجودا ويرى أمورا لا وجود لها في الخارج أو يرى الأشياء على غير ما هي عليه من الصور والأشكال . وهذا من قبيل التشويش لا البطلان والنقصان فيكون من الحرارة لا غير . وإنما جعل هذا من أقسام النسيان ، لأن الخيال إذا تشوّش حفظ الصور المحسوسة على خلاف ما هي عليه فلم تكن تلك الصور المحسوسة محفوظة ، بل صور أخرى فيكون نسيانا لتلك الصور الخارجية